محمد سعيد رمضان البوطي
85
فقه السيرة ( البوطي )
سَراحاً جَمِيلًا ( 28 ) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ( 29 ) [ الأحزاب : 28 - 29 ] ، فتلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليهن هاتين الآيتين ، ثم خيرهن بين قبول العيش معه على الحالة التي هو فيها ، أو الإصرار على مطالبهن من النفقة وزيادة الزينة والمال وحينئذ يفارقهن ويسرحهن سراحا جميلا ، فاخترن العيش معه على ما هو عليه « 1 » . فكيف يشك العقل - أي عقل - بعد هذا كله في صدق نبوته ، وكيف يصح أن يتوهم الفكر أو الخيال بأنه قد يكون مدفوعا برغبة الزعامة أو الطمع في الغنى ؟ . . فهذه هي الدلالة التي تؤخذ من هذا المشهد الذي ذكرناه . الدلالة الثانية : وهي تبين لنا معنى الحكمة التي كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتمسك ويتصف بها ، هل الحكمة أن تضع أنت السياسة التي تراها في سير الدعوة مهما كانت كيفيتها ومهما كان نوعها ؟ وهل أعطاك الشارع صلاحية أن تسلك أي سبيل أو وسيلة تراها ما دام هدفك من وراء ذلك هو الحق ؟ لا . . إن الشريعة الإسلامية تعبدتنا بالوسائل كما تعبّدتنا بالغايات ، فليس لك أن تسلك إلى الغاية التي شرعها اللّه لك إلا الطريق المعينة التي جعلها اللّه وسيلة إليها وللحكمة والسياسة الشرعية معان معتبرة ، ولكن في حدود هذه الوسائل المشروعة فقط . والدليل ما رويناه آنفا ، فقد كان من المتصور في باب الحكمة والسياسة أن يرضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معهم بالزعامة أو الملك على أن يجمع في نفسه اتخاذ الملك والزعامة وسيلة إلى تحقيق دعوة الإسلام فيما بعد ، خصوصا وإن للسلطان والملك وازعا قويا في النفوس ، وحسبك أن أرباب الدعوات والمذاهب ينتهزون فرصة الاستيلاء على الحكم كي يستعينوا بسلطانه على فرض دعوتهم ومذاهبهم على الناس . ولكن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يرض سلوك هذه السياسة والوسيلة إلى دعوته ، لأن ذلك ينافي مبادئ الدعوة نفسها . لو جاز أن يكون مثل هذا الأسلوب نوعا من أنواع الحكمة والسياسة الرشيدة ، لا نمحى الفرق بين الصادق الصريح في صدقه والكاذب الذي يخادع في كذبه ، ولتلاقى الصادقون في دعوتهم مع الدجالين والمشعوذين على طريق واحدة عريضة اسمها : الحكمة والسياسة .
--> ( 1 ) رواه البخاري ، وانظر تفسير ابن كثير في تفسير هاتين الآيتين .